"كيف بدي أحكي يا بابا.. ولمين؟"
كان سؤالًا صغيرًا خرج من قلب طفلة، لكنه كان يحمل وجعًا أكبر من أن تحتمله طفولتها.
منذ اليوم العاشر للحرب، لم تعد حواء المدهون تعرف كيف يبدو العالم من دون خوف. استشهد والدها، الرجل الذي كانت تعرف أن وجوده يعني الأمان، ووجدت نفسها تنتقل من مكان إلى آخر، تخوض 12 رحلة نزوح حملت خلالها طفلة صغيرة أعباءً لا تشبه عمرها.
لم تكن حواء تسأل فقط: لمن ستتحدث؟ كانت، في الحقيقة، تسأل عن أبيها الذي لن يعود، وعن بيت لم يعد موجودًا كما كان، وعن طفولة أخذتها الحرب معها.
تقول والدتها: "كانت حواء هادئة ومؤدبة، لكن استشهاد والدها وضغوط النزوح المستمر شكّلا صدمة أكبر من قدرتها. لم تكن تعرف أحدًا، ولا تجد ما تفعله، وكانت حياتنا مشتتة. كل همنا أن نؤمّن الطعام والماء ونبقى على قيد الحياة."
ومع الأيام، بدأت حواء تنسحب أكثر إلى داخلها. كانت تجلس في زاوية الخيمة، قليلة الكلام، قليلة الحركة، وكأنها تحاول أن تجعل نفسها غير مرئية. حتى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، كتعبئة الماء أو شحن الهاتف، أصبحت تحمل لها قدرًا من القلق والإرهاق.
ثم جاء المخيم الترفيهي والدعم النفسي الذي تنفذه تكية أم علي بالشراكة مع جمعية فلسطين الغد للتنمية المجتمعية.
لم تدخل حواء المخيم وهي تعرف أنها ستتغير. دخلته فقط كطفلة خجولة، تحمل في داخلها حزنًا لم تعرف كيف تضع له اسمًا.
وفي المكان الجديد، لم يُطلب منها أن تنسى ما حدث، ولم يُطلب منها أن تكون قوية. كان يكفي أن تكون حواء. أن تلعب. أن تغني. أن ترسم. أن تضحك.
وبين الألوان والأناشيد ووجوه الأطفال، بدأت شيئًا فشيئًا تستعيد صوتها. وجدت معلمات يصغين إليها، وأطفالًا يشاركونها اللعب، وصديقة جديدة اسمها ولاء، جعلت الوقت أخفّ، والوحدة أقل قسوة.
وبعد أن كانت الأيام تمر عليها ثقيلة داخل الخيمة، أصبح في أسبوعها يومان تنتظرهما بشغف.
تقول حواء: "كنت أزهق وأملّ من حالي في الخيمة وما عندي حدا ألعب معه.. بس لما صرت أروح على المخيم، صاروا هاليومين أهم أيام الأسبوع عندي. صرت أستناهم بالثانية، وأرجع أحكي لإخوتي شو لعبنا وشو تعلمنا."
كان ذلك أكثر من تغيير في جدول أيامها. كان عودةً إلى الحياة.
تعلمت لعبة الألوان، وحفظت الأناشيد، ثم حملت ما تعلمته معها إلى الخيمة. لم تعد تنتظر من يمنحها الفرح؛ بدأت تصنعه لإخوتها الأربعة. تلعب معهم. تشاركهم الوجبة. تعلّمهم ما تعلمته. وتقف إلى جانب أمها في تفاصيل الحياة اليومية، من الغسيل إلى رعاية الصغار.
الطفلة التي كانت تحتاج إلى من يسندها، بدأت تصبح سندًا لمن حولها.
وتقول والدتها: "بعد المشاركة في المخيم، تغيرت حواء تمامًا؛ أصبحت اجتماعية ونشيطة وسندًا أعتمد عليه في البيت. أحيانًا تخرج وهي حزينة أو منفعلة، لكنها ما إن تعود من المخيم حتى نراها بوجه آخر.. أكثر فرحًا، هدوءًا وراحة."
وربما تكمن أهمية ما حدث مع حواء في شيء يبدو بسيطًا جدًا: أن أصبح لديها موعد تنتظره.
بعد أن كانت أيامها متشابهة، بين الخيمة والشارع والبحث عن الماء والطعام، أصبح لديها مكان تعرف أنها ستعود إليه، ووجوه تنتظرها، وصديقة تضحك معها، ومعلمات يسمعنها، وساعة تشعر فيها أنها ليست ابنة الحرب، ولا طفلة النزوح، ولا تلك التي فقدت أباها... بل مجرد طفلة. طفلة من حقها أن تلعب. أن تتعلم. أن تضحك. وأن يكون لها غد.
تقول والدتها بامتنان: "أنا أشكر تكية أم علي وجمعية فلسطين الغد كثيرًا. غيّروا نفسية أطفالنا، وشجعوهم على الأفضل. أتمنى أن تستمر هذه المخيمات، وأن تصل إلى مناطق أخرى، لأن أطفالًا كثيرين بحاجة إلى مكان يحسوا فيه إن لهم قيمة ووجود."
المخيم لم يُعد والد حواء. ولم يمحُ آثار النزوح. ولم ينهِ الحرب التي ما زالت تسكن تفاصيل حياتها.
لكنه منحها شيئًا آخر لا يقل أهمية: مساحة تتنفس فيها. مكانًا تستعيد فيه صوتها، وصداقات تخفف عنها الوحدة، وأدوات تساعدها على فهم مشاعرها، ووقتًا تشعر فيه أن الحياة يمكن أن تحمل شيئًا آخر غير الخوف.
لهذا، فإن ما قدمته تكية أم علي بالشراكة مع جمعية فلسطين الغد للتنمية المجتمعية لم يكن مجرد مخيم للأطفال. كان رسالة تقول لحواء ولغيرها: أن طفولتك لم تنتهِ. وأن الطفل الذي عاش الفقد والنزوح والخوف، ما زال يستحق أن يجد مكانًا آمنًا يقول فيه: "أنا هنا... وما زلت أستطيع أن أفرح."
وربما كانت هذه هي الإجابة التي بحثت عنها حواء طويلًا، منذ أن سألت: "كيف بدي أحكي يا بابا.. ولمين؟"
وجدت من يسمعها. ووجدت من يشاركها اللعب. ووجدت، ولو لساعات، مكانًا تستطيع فيه أن تكون حواء... لا مجرد طفلة نجت من الحرب.