"لما طلعتها من الجربانة، صاروا يقولولي: إنت عملت إنجاز... صرت أبوسها وأحبها، لأنها صارت غالية عليّ."

لم تكن هذه الكلمات مجرد وصفٍ لما فعله محمد مع يده؛ كانت وصفًا للحظةٍ أكبر بكثير... لحظة بدأ فيها طفل في الثانية عشرة من عمره يتصالح مع نفسه.

محمد معمر بكر، طفل من غزة، فقد جزءًا من يده، لكن ما آلمه لم يكن فقدانها وحده. كان يخفيها كلما خرج من البيت، يضعها خلف ظهره أو داخل جيبه، وكأنه يحاول أن يخفي معها نظرات الآخرين وكلماتهم ومواقف التنمر التي تركت أثرها في داخله.

يقول والده: "قبل المخيم كان محمد كثير يتضايق، وكان يخجل من إيده. حتى مع إخوته كان عصبي، يصرخ عليهم ويتشاجر معهم. الإصابة أثرت على نفسيته بشكل كبير."

كان محمد يعيش مع إصابته كأنها شيء يجب أن يختبئ منه.

حتى جاء المخيم الصيفي الذي نفذته تكية أم علي بالشراكة مع جمعية فلسطين الغد للتنمية المجتمعية.

هناك، لم يُنظر إلى محمد باعتباره طفلًا ناقصًا أو عاجزًا، بل كطفل لديه ما يستطيع أن يقدمه.

لعب مع الأطفال، شارك في الأنشطة، رسم، ضحك، مارس الألعاب الجماعية، وتحدى نفسه في الأنشطة الرياضية. ومع كل مرة كان يشارك فيها، كانت المسافة بينه وبين الخجل تضيق.

شيئًا فشيئًا، خرجت يده من جيبه. ثم خرج محمد نفسه من عزلته.

صار لديه أصدقاء. صار يضحك ويلعب معهم، ثم يأخذ ما تعلمه في المخيم إلى إخوته داخل الخيمة. الطفل الذي كان يصرخ ويتشاجر معهم، أصبح يجمعهم حوله ليلعبوا ويرسموا وينطوا الحبل معًا.

يقول والده: "بعد حوالي شهر، بطل يخجل. صار يلعب وإيده مفتوحة عادي. حسيت نفسيته بدأت ترتفع بشكل كبير."

لكن التغيير لم يتوقف عند حدود المخيم. عاد محمد إلى البحر؛ المكان الذي كان يحبه قبل الحرب، وبدأ يحاول السباحة من جديد.

ربما كان البحر بالنسبة له أكثر من مكان للسباحة. كان مكانًا يستعيد فيه شيئًا من محمد الذي كانه قبل الإصابة، ويفتح أمامه بابًا ليقول لنفسه: ما زلت أستطيع.

ثم جاءت اللحظة التي اختصر فيها محمد كل هذا التغيير بجملة لا يمكن نسيانها: "كنت أخبي إيدي في الجربانة... لما طلعتها، صاروا يقولولي: إنت عملت إنجاز. صرت أبوسها وأحبها، لأنها صارت غالية عليّ."

لم تكن يده هي التي خرجت من الجيب فقط. كان يخرج معها من الخوف، ومن الخجل، ومن نظرةٍ قاسية ظل يحملها تجاه نفسه.

وحين قبّل محمد يده، لم يكن يقبّل الجزء الذي بقي منها فقط؛ كان يحتضن طفلًا داخله احتاج وقتًا طويلًا حتى يتقبل نفسه من جديد.

هذا هو الأثر الذي صنعته المساحة الآمنة التي وفرتها تكية أم علي بالشراكة مع جمعية فلسطين الغد للتنمية المجتمعية؛ مساحة لم يُطلب فيها من محمد أن ينسى إصابته، بل مُنح فيها فرصة ليكتشف ما يستطيع فعله رغمها.

اليوم، لا يختصر محمد نفسه بما فقده. هو طفل يلعب، ويرسم، ويسبح، ويكوّن صداقات، ويعلّم إخوته ما تعلمه، وينظر إلى يده دون أن يخجل منها.

وربما لهذا تبدو كلماته الأخيرة أكبر من عمره: "صارت غالية عليّ."

لأن بعض الأطفال لا يحتاجون إلى من يغيّر ما فقدوه... بل إلى من يمنحهم مساحة آمنة، حتى يكتشفوا أنهم ما زالوا قادرين على حب ما بقي منهم، وعلى استعادة الحياة من جديد.

ومحمد فعلها... أخرج يده من جيبه، وأخرج معها قلبه من العزلة.